أبسلوت باتمان: الوجه العصري والمتوحش لفارس الظلام!
لطالما كان باتمان رمزًا للقوة والعدالة المقنّعة، لكنه في أبسلوت باتمان لم يعد ذاك المليونير المتجهم وسط قصره الفاخر، بل صار شابًّا من الطبقة العاملة، يشق طريقه وسط فوضى مجتمع معاصر يكتنفه العنف الجماعي، والسلاح، والفقر.
السلسلة التي أطلقتها DC Comics في أكتوبر 2024 ضمن مبادرة Absolute Universe والتي تهدف لإعادة تصور الأبطال الكلاسيكيين في نسخ أكثر حداثة وواقعية، تعيد صياغة أسطورة باتمان في قالب واقعي وقاتم يلامس أكثر أوجاع عصرنا. يقود هذه الرؤية كاتب الكوميكس الكبير سكوت سنايدر بالتعاون مع الفنان نِك دراجوتا، في عمل استثنائي يعيد تعريف الشخصية الأشهر في تاريخ القصص المصورة.
باتمان بلا مال: بروس واين كما لم تعرفه من قبل!

في هذه النسخة، لم يولد بروس واين وفي فمه ملعقة من ذهب. بعيدًا عن الملياردير الأرستقراطي، تقدم السلسلة بروس واين مهندسًا مدنيًّا شابًّا في الرابعة والعشرين من عمره، ينتمي للطبقة العاملة. يعيش بروس في عالم قاسٍ يشهد عنفًا جماعيًّا، جرائم منظمة، ومجتمعًا يغلي على حافة الفوضى. في هذه النسخة، الدافع للانتقام ليس إرثًا فاحش الثراء، بل إحساسًا بالمسئولية الاجتماعية تجاه مدينته المنهارة.
صرح سنايدر بأن الهدف كان “تجريد باتمان من بعض الموارد والامتيازات”، لخلق شخصية أقرب إلى كيان بسيط؛ مهندس مدني شاب يعبر عن مخاوف الأجيال الجديدة.
والداه ينتميان بدورهما إلى الطبقة البسيطة، فأمه مارثا واين موظفة اجتماعية، وأبوه توماس واين مدرس ابتدائي. عاش بروس وسط الفقر والفوضى، وأول مشاريعه كطفل كان جسرًا قابلًا للطي مستوحى من جناح الخفاش، في إشارة مبكرة إلى مستقبله كباتمان.

صنع بدلته في المرآب، بتقنيات يدوية وأسلحة صمّمها بنفسه. ليس لديه واين انتربرايز، ولا مساعدون يديرون له مختبراته. فقط عضلات، ذكاء هندسي، وغضب مكبوت.
يبلغ بروس في هذه النسخة 2.06 مترًا، ويزن أكثر من 190 كجم من العضلات والدروع، أشبه بمقاتل مدرع من المستقبل. دراجوتا رسمه كوحش بشري محصن بالهندسة، يرتدي بدلته كأداة بقاء وليست زيًّا مسرحيًّا. كل أداة يحملها مصممة لحاجة واقعية، في قتال يتطلب الصلابة أكثر من التسلل.
جوثام ساحة للجرائم الجماعية والسلاح!

السلسلة لا ترسم فقط “باتمان جديد”، بل تطرح سؤالًا مهمًّا: ماذا لو أن باتمان كان يعيش واقعنا المعاصر بكل تقلباته وقلقه؟
أحد أبرز المحاور التي تناولتها السلسلة هو العنف المسلح وإطلاق النار الجماعي الذي يهدد المجتمعات اليوم.
“نحن نعيش معها كل يوم…فقط لكي نكون صادقين ان هذا ما يخشاه الطفل، وهذا ما يخشاه الوالدان” – سنايدر
جوثام في هذا العالم ليست فقط مدينة فاسدة، بل ساحة حرب مدنية، حيث ينهار القانون أمام جماعات مسلحة وأطماع الرأسمالية الفاسدة.
الجوكر: رجل لا يضحك!

لم يكن الجوكر يومًا تقليديًّا في أي نسخة، لكن أبسلوت جوكر يمثل انقلابًا على الصورة المألوفة؛ لم يعد المهرج الذي يضحك بجنون، بل رمز للثروة المنحرفة والقوة غير الأخلاقية. الجوكر في هذا العالم رجل ثري، لا يضحك، ولا يحمل المسحة الكوميدية المعتادة. يترأس عصابة بارتي أنيمالز، المتورطة في تهريب السلاح والجريمة المنظمة، ويعيش حياة مناقضة تمامًا لبروس.
إنه الجوكر الذي يمثّل الرأسمالية المتوحشة؛ لا يقاتل بضحكة بل بقوة المال والنفوذ.

“الجوكر يرى نفسه بهذا الشكل في علاقته بباتمان…إنه يغير نفسه ليصبح أسوأ كابوس يمكن أن يواجهه باتمان” – سنايدر
في هذا الصراع، الجوكر ليس مجرد مجرم، بل هو انعكاس لكل ما يخشاه باتمان في هذا العالم؛ سيطرة المال على المصائر، وتجرد العنف من أي منطق.
ألفريد بينيوورث: مطارِد لا خادم!

في تحول آخر، يظهر ألفريد بينيوورث ليس مجرد خادم مخلص، بل عميلًا سريًّا يتعقب بروس واين، في علاقة مشوبة بالغموض والصراع وتحمل قدرًا من التوتر والمطاردة المستمرة بدلًا من الحنان الأبوي الذي اعتدناه. ألفريد هو صوت النظام الذي يراقب الخارجين عن القانون…حتى لو كان هذا الخارج اسمه باتمان.

حين يتحول أعداء باتمان إلى حلفائه!
واحدة من أكثر التغييرات راديكالية في أبسلوت باتمان أن كثيرًا من أعدائه الكلاسيكيين لم يعودوا خصومًا، بل أصبحوا شركاء نضال وحلفاء تكتيكيين في صراعه ضد مدينة تغرق في العنف والفوضى. هذا التحول لم يكن شكليًّا، بل جزءًا من رؤية سنايدر لإعادة تعريف العلاقات في عالم حيث لا يمكن الوثوق لا في السلطة ولا في القانون.
سيلينا كايل، التي لطالما عُرفت كلصة أنيقة، تتحول هنا إلى حامية الأحياء الشعبية في جوثام. تستغل مهاراتها الاجتماعية وقدراتها البدنية لبناء شبكة من الحلفاء الذين يعملون من الظل لدعم باتمان.

“في عالم لا مكان فيه للترف، تصبح كاتوومان اليد التي تعرف خبايا الشارع أكثر من أي شرطي أو سياسي” – سنايدر
بدلًا من تو فيس المختل المشوه، هارڤي دينت في هذا العالم هو مدعٍّ عام نزيه يشن حربًا قانونية ضد الفساد. رغم الخلافات الأخلاقية بينه وبين بروس، فإن الاثنين يدركان أن معركتهما واحدة وإن اختلفت الأساليب.

إدوارد نيجما ليس ريدلر اللغز البشري المجنون هنا، بل عبقري تكنولوجيا يساعد باتمان عبر قدرته على تحليل البيانات، الاختراق، والاستقصاء. في عالم يتحكم فيه السلاح والمراقبة، يصبح العقل الرقمي لنيجما ضرورة لا رفاهية.
لماذا هذا التبديل؟
![]()
أوضح سكوت سنايدر أن هذا الخيار يعكس تعقيدات عالمنا الواقعي:
“إن أعداءك في حياة ما قد يصيرون حلفاءك في عالم محطم ومشوه بهذا القدر” – سنايدر
بالتالي، أبسلوت باتمان لا يعيد فقط تصور البطل، بل يعيد هندسة العلاقات بين كل الشخصيات، حيث لا أحد يظل عدوًّا أو صديقًا إلى الأبد…بل تحكمه الظروف، الحاجة، والخوف المشترك من السقوط.
النقد والمبيعات

هذا التجديد الجريء لم يمر دون تعليقات وانتقادات، فقد تلقت السلسلة ردود فعل متنوعة، من التعجب بالإبداع والتجديد، إلى الاستياء من بعض التصميمات مثل شكل بين واعتبروه “تشويهًا”. آخرون اعتبروا تضخيم باتمان المفرط ابتعادًا عن فكرة الفارس الرشيق خفيف الحركة. لكن في المقابل، أشاد كثيرون بجرأة الطرح والتناول السياسي والاجتماعي الصريح.

ولكن من ناحية المبيعات فقد حققت السلسلة نجاحًا غير مسبوقاً، إذ تجاوزت مبيعات العدد الأول 250 ألف نسخة في طبعته الأولى، بإجمالي تجاوز 400 ألف نسخة. مجموعة Absolute Universe سجلت 2.5 مليون نسخة مباعة بحلول فبراير 2025.
لماذا أبسلوت باتمان مهم؟

لأنه يسأل السؤال الذي يخشاه الكوميكس التقليدي: “من هو باتمان في عصر العنف، الفقر، وانعدام العدالة الاجتماعية؟”.
لم يعد الرمز الأسطوري، بل صار ابن الشارع، ممثل الطبقة المنسية، يطارد أشباحًا من لحم ودم…ومال.
أبسلوت باتمان هو مشروع فني وثقافي أكثر منه قصة بطل خارق. هو مرآة قاتمة لمجتمع يفقد السيطرة على العنف والفقر والسلطة.
ربما لا يكون باتمان هنا الأذكى أو الأغنى…لكنه الأقرب للواقع، الأقرب لنا.

أبسلوت باتمان متاحة الآن بالعربية من إصدار Fomo Books بترجمتي أحمد صلاح المهدي.


